الخميس، 23 مايو 2019

مقال : أهمية الإلقاء الشعري كفن من فنون الإلقاء



يهدف الموضوع إلى إثراء المحتوى العربي في المجال الصوتي لكل من له يد في هذا المجال و الحمد لله أولا وأخيرا ، ومن أجمل ما دفعني لطريق الكتابة هدف اختيار موضوع لم يسبق نشره في أي موقع آخر أو يكاد يكون ، مع أنني أرى صعوبة ذلك في ضوء تعدد المقالات وبلغات مختلفة منتشرة في الشبكة العنكبوتية مثلا ، إلا أنني على الرغم من هذا وعلى خلفيتي المتواضعة في هذا الجانب قررت أن أخوض التحدي من باب تشجيع غيري على المشاركة في مضمار التفرد في الكتابة ، فقد وجدت أن المشاركة في مثل هذه السباقات تفيد المشارك أولا وأخيرا أكثر من متابعيه وقرائه ، فهي تدفع الكاتب للبحث عن المعلومة وتحفز لديه الابداع وتنمي لديه الابتكار وتدربه على الكتابة ، وبعد البحث والتقصي تطرقت في مقالي هذا إلى نوع من أنواع الالقاء يكاد لا يلقى له بال و لعل ذلك لأنه يندرج ضمن مجالات التعليق الصوتي المتعددة ويكاد الحديث عنه والمقالات المذكورة فيه تكاد تكون قليلة إن لم تكن منعدمة ، وهذا النوع هو الالقاء الشعري .



قد يعتقد البعض أن عملية الالقاء الشعري هي عملية سهلة و بسيطة و بإمكان أي شخص يعرف القراءة والكتابة أن يلقي قصيدة أو شعرا بمجرد القراءة بصوت مرتفع ، وهنا أرجو أن نراجع موقفنا للحظة وأن نتروى قبل إطلاق الأحكام ، فأول من ظلمنا بهذا القول الأذن البشرية المحبة والمتلهفة لسماع كل ما هو جميل وظلمنا معها القلوب التي تترجم ما تسمعه الأذن إلى أفكار ومشاعر وأحاسيس .
قد حدث في أحد الأيام في أحد الصباحيات الشعرية في الجامعة التي كنت أدرس فيها ويقيمها قسم اللغة العربية لعدد من طلابه الشعراء ، ولاحظت أن أغلب الحضور لم يكن منتبها ومنصتا لأغلب القصائد التي قيلت من الطلاب ، رغم أن من أشعارهم ما قد يكون آية في البلاغة و ربّ بيت شعر خير من بيت تبر ، ولكن ولضعف أداء الشعراء في الالقاء خسرت أشعارهم بريقها و ألقها .
إخوتي و أخواتي دعونا نحترم آذان المستمعين ونستحوذ على انتباههم ، فإذا لم يكن لديك خلفية عن الالقاء الشعري فابحث عن الخبراء في هذا المجال فهناك العديد منهم و بإمكاننا الرجوع إليهم والاستفادة من خبراتهم ، أو بإمكاننا على الأقل إن كانت لدينا الموهبة أن نطورها وننميها ونظهرها بالشكل المطلوب ليستفيد منها غيرنا ، وإن لم تكن لدينا الموهبة وتوفرت الرغبة فيه فدراسة الالقاء الشعري أمر واجب وأول خطوة ستكسبنا الخبرة في هذا المجال .
وبالمناسبة فإنه ومن المتعارف عليه أنه ليس بإمكان كل شاعر أن يحسن إلقاء الشعر والأمثلة على ذلك كثيرة ، ونجد أن من الشعراء من يستعين في بعض الأحيان بغيرهم لإلقاء أشعارهم ، لأن التغني بالشعر والإحساس بإيقاع الوزن عملية لا يتقنها أي شخص ، بل ويستغل بعض الشعراء الفنانين والمغنين والمنشدين لغناء قصائدهم كطريقة من طرق إيصال الشعر ، وكذلك فإن من أسباب انتقال الشعر و انتشاره بشكل واسع تداوله عن طريق المعجبين والعديد من المتلقين الملقين له بشكل متميز تألفه النفس ، ونستطيع أن نعتبر أن الالقاء الشعري وسيلة من وسائل تسويق الشعر بشكل سلس ومقبول و ما ذكرناه من صور متعددة لإلقاء الشعر هي فقط بعض من كل .
تعريف مصطلح الالقاء الشعري :
ولمعرفة ما هو الالقاء الشعري علينا أن نبدأ بتعريف مصطلح الإلقاء الشعري المركب والمكون من كلمتين هما الإلقاء والشعر ، فالإلقاء لغة مصدر ألقى و ألقى الشيء أرضا : طرحه ، وألقى إليه القول أبلغه إياه ، أما الشعر هو كلام موزون مقفى ذو معنى ، والوزن في الشعر هو ما يميزه عن غيره من النثر ، والإلقاء الشعري بشكل عام يقصد به إيصال الشعر بشكل سليم للمتلقي ، وملقي الشعر يجب أن يفهم ما هو الالقاء وأن يدرك ما هو الشعر .
الالقاء و الشعر كل منهما فن قائم بحد ذاته وعلم له أسسه وأصوله وضوابطه فكلٌّ منهما ضارب في التاريخ وله جذوره وأقسامه وأنواعه وشروطه ومميزاته وجهاته وأجهزته وميادينه، وهناك دورات تدريبية تزخر بها جهات التدريب لكل منهما على حدة في كل أنحاء العالم العربي أو الأجنبي ، والالقاء الشعري هو أحد فنون علم الالقاء.
خطوات مهمة في الالقاء الشعري :
أفضل طريقة في الالقاء الشعري هي الطريقة التي يخالطها الصدق والإخلاص في الأداء و إعطاء كل كلمة حقها ، وللوصول إلى مثل هذا الأداء في أي عمل نريد القيام به يجب أن نعرف ونضع نصب أعيننا مسألتين أساسيتين نذكرهما باختصار كالتالي :
العلم : لا نتحدث هنا عن مجرد الالقاء الشعري المراد به قراءة الشعر قراءة عابرة وإنما عن فن إلقاء الشعر عن المرحلة المتخصصة منه وإنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ، فالنية و التعلم ركنان أساسيان في أي عمل نقوم به و لو اجتمعا مع الموهبة فقد حاز ملقي الشعر مكانة ودرجة رفيعة عالية ، و يجب على ملقي الشعر أن يكون ملمّا بكل ماله علاقة بإلقاء الشعر فيجب أن يكون ملما بمهارات الالقاء وأن يكون لديه خلفية واسعة عن قواعد اللغة العربية في الصرف والنحو و أن يجيد علم العروض إجادة تامة و أن يستطيع التمييز بين الشعر وغيره من الكلام وأن يتقن مخارج الحروف وأن يدرس جهاز النطق بكافة أعضائه ، ومن ثم الاكثار من الاستماع إلى تجارب من سبق في هذا المجال لاكتساب الخبرة اللازمة ، و عند التعامل مع أجهزة الصوت عليه أن يتعلم كيفية التعامل مع الميكروفون سواء داخل الاستديو أو حتى خارج الاستديو على المسارح و المنابر الاعلامية ذات العلاقة ، وبالرجوع إلى الشبكة العنكبوتية وبعض الجهات المختصة بالإمكان الاستفادة من الدورات والمواضيع المتعلقة بهذا الشأن .
العمل : بعدما تنتهي من تحقيق المسألة الأولى وتنتهي من عملية التعلم بكافة أبعادها والإحاطة بها ننتقل بعدها إلى مرحلة التنفيذ و توفير كافة الأدوات المطلوبة لها ، وقبل أن نبدأ العمل علينا أولا أن نختار المادة الشعرية التي سنعمل عليها اختيارا حسنا ودقيقا وبعناية فائقة فليس المطلوب مجرد إلقاء أي شعر وحسب بل المطلوب أيضا أن نرتقي بالذوق العام أيضا ، و لا ننسى هنا أن التحضير مهم جدا قبل البدء وذلك بمعرفة طبيعة الجمهور المتلقي و معرفة أساليب التخلص من الرهبة التي تسبق البدء بعملية الالقاء بتجديد الثقة بالنفس ومعرفة إمكانياتها والتدرب على طريقة الالقاء المناسبة ووضع علامات الترقيم لقراءة النص بشكل أفضل وتوقيت الوقف ومراعاة التنفس الصحيح وتقمص الحالة النفسية للنص والحفاظ على مستوى صوت مناسب لكل فقرة وفق معناها واستخدام لغة الجسد كالنظر إلى المستمعين وطريقة الحركة ، و يا حبذا لو تحلى الملقي بقدرات تمثيلية تمكنه من أداء الأبيات وتمثيل معناها ، ومن باب العلم فإن ممارسة الالقاء بشكل متكرر تضمن الوصول إلى الأداء المنشود.
كما قلنا سابقا فإن الاستفادة من تجارب الآخرين في بداية عملية التعلم تحتم على ملقي الشعر الممارس له تحويل رصيده العلمي ومخزون خبراته و تجاربه في أوج مسيرته إلى الآخرين كمرحلة متقدمة من مراحل الالقاء الشعري حيث يتحول الشخص الذي كان متعلما فيما مضى إلى معلم له بصمته وأثره في الساحة ، يأخذ بيد الآخرين إلى بر الأمان وبإمكانه أن يتبنى العديد من المواهب الناشئة ويكوّن مدرسة خاصة به .
نشاط : إذا أحببتم بإمكانكم تسجيل هذا البيت كمقطع صوتي و إدراجه في التعليقات إن أمكن أو إدراج رابط يوتيوب ونتشرف برؤيتكم والاستماع إليكم للتعرف على أنماط الالقاء الشعري المختلفة لدى المعلقين و أثره في إيصال الشعر إلى المتلقين :
دع الأيام تفعل ما تشاء


وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي


فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلا على الأهوال جلدا


وشيمتك السماحة والوفاء


كلمة أخيرة :
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ، وكل خطوة ذكرناها في هذا السبيل بحاجة إلى التحمل والصبر في كل مرحلة من مراحلها ، وكما قال الشاعر :
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
والمسؤولية الملقاة على عاتق ملقي الشعر مسؤولية كبيرة ، ودور الالقاء الشعري لا يقل أهمية عن دور أي مصطلح آخر ، ولنا رجاء والأمة حاليا بحاجة إلى من يعيد ويجدد لها أمجاد اللغة العربية لغة القرآن الكريم في جانب الشعر أن يظهر من يتمسك بتراثنا الأدبي الزاخر ويحبب الناس إليه ، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة الأشعار الشعبية العامية بشتى اللهجات واختلفت الشعوب وتشتتت ، ومال كل شعب للهجته لا نقلل من أهميتها وقبولها لدى العامة ، ولكن في نفس الوقت دعونا لا ننسى الأساس ونعود إلى أصلنا وفصاحتنا وبلاغتنا ونتوحد على الأقل في الحفاظ على لغتنا العربية الفصحى والارتقاء بها .
الصوت البشري نعمة من نعم الله علينا ، ووسيلة من وسائل نقل الأفكار والعلوم والمشاعر ونشر السعادة بين أفراد المجتمع ، والأذن البشرية تصدق ذلك أو تكذبه ، لا تبخل بصوتك إذا كنت تملك الموهبة ولا تقصر بحقها في نفس الوقت ، علينا بحسن الاختيار وحسن الأداء و الصدق مع الله في الاستخدام الأمثل لنعمه ليكون الله لنا عونا في كل حالاتنا و يعيننا ويمدنا بالتوفيق ويبارك لنا في نعمه .

وحيد عبود بروق
2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق